السبت، 12 فبراير 2011

الشجرة المحرمة

بسم الله الرحمن الرحيم


لا أدرى إذا كانت هذه الصورة التى انا بصدد الحديث عنها اليوم واضحة لدى من هم في مراكز صنع القرار في مصر وفي العالم العربي اليوم ام لا. بالتأكيد الفكرة التى انا بصددها شديدة البساطة وشديدة البديهية ولكنها بدت مع هذه بعيدة ربما بعيدة جدا عن تصور بعض صناع القرار في العالم العربي رغم الشواهد التى تتوالى على مركزية هذه الفكرة.
لقد قضى الرئيس انور السادات بعد ان ارتكب خطيئته الكبرى بالذهاب الى توقيع اتفاقية السلام مع اسرائيل بدون الرجوع الى شعبه في قبول أو رفض الإتفاقية او استخدام الشفافية في عرض الاتفاقية وملاحقها لكي يكون الشعب على بينة بما ستقدم عليه الدولة وانا هنا لست ضد توقيع اتفاقيات مع اي طرف ولكنى ضد ان يكون ذلك بعيدا عن أعين الشعب وبدون موافقته خاصة ان الاتفاقيات تخص مستقبل الأمة. وانى ازعم ان الرئيس السادات لو عاد للشعب واتخذه ورقة في الضغط اثناء المفاوضات لما حرمت مصر اليوم على سبيل المثال لا الحصر ان يكون لجيشها وجود على كامل ارض سيناء ولما احتجنا مثلا للإذن من اسرائيل لنشر قوات اضافية مثلا لحماية الحدود. وقد كان لجوء الرئيس السادات ايضا الى الإنقضاض على المعارضة ونفى الحياة السياسية لتحقيق المصالحة مع اسرائيل هو السبب الرئيس الذي أوصل الرئيس السادات للمنصة.
رغم ان الرئيس مبارك حضر هذا المشهد بكل تفاصيلة إلا إنه لم يقرأ حقيقة الفكرة وهى ان الرئيس السادات قد اكل من الشجرة المحرمة وهى اقامة علاقة غير مشروعة مع اسرائيل وسد الأفق السياسى من اجل تمرير هذه الإتفاقية. ولكن للأسف فقد مضى الرئيس مبارك بشكل وصل الى حد الجنوح في سنواته عندما تحولت مصر الى بواب يحفظ امن اسرائيل بل وتحول في لحظة في تاريخ نظام مبارك الى منبر تعلن منها تسبى ليفينى الحرب على غزة من قاهرة المعز. وتبع ذلك عملية حصار خانق على غزة بعد الحرب البشعة التى شنتها اسرائيل على غزة لعل ذلك يؤدى الى سقوط حماس. وتحول نظام مبارك الى مهزلة اخلاقية وفضيحة عالمية في مروغاته ومنكفاته مع المتضامين مع المحاصرين في غزة. وتبع ذلك عملية خنق للحياة السياسية بصورة غير مسبوقة لتمرير مشروع التوريث. ووصل الأمر للحد الذي عبر عنه احد اقطاب الحزب الحاكم بقولة ان اسرائيل والولايات المتحدة سيكون لهما رأى فيمن سيتولى الحكم في مصر بعد مبارك. أكل الرئيس مبارك من نفس الشجرة المحرمة التى اكل منها الراحل السادات بل وشبع وربى لحما وعظما من هذه الشجرة معتمدا على جهاز امنى اطلق له العنان حتى اصبح المصرف الحصري لكل ما يخص البلاد.
وأحسب ان نائب الرئيس المخلوع ايضا وقع في نفس الشرك الذي وقع فيه رئيسه ولعل ذلك كان السبب الرئيس في رفض المتظاهرين له كبديل للرئيس.
الغريب ان اسرائيل نفسها لديها هذه الشجرة المحرمة فهى ترفض مثلا الحديث لمن تسميهم اصحاب الأيدى الملطخة بالدماء الإسرائيلية وقتلت رابين وعاقبت بيجين بالإحتقار واعتبرت ان ما حدث لشارون بعد خروجه من غزة عقوبة من الله.
ليس مطلوبا إلغاء اتفاقيات السلام الحالية مع اسرائيل ولكن مطلوب ان نتمسك في حقنا في الوعى بأنه عاجلا او اجلا ستنقض اسرائيل هذه الإتفاقيات وسنقف امام الشجرة المحرمة لنقتلعها.

الثلاثاء، 8 فبراير 2011

مبارك وهؤلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

هناك من لا يزال يتحدث الى اليوم حول تاريخ الرئيس مبارك وكرامة الرئيس وانا الحقيقة لست ضد ان تحترم كرامة كل انسان حتى ولو كان الرئيس مبارك الذي اهدر كرامة شعبه على مدى 30 عاما وحتى السيد حبيب العادلى الذي عمل على اذلال هذا الشعب واجهزته القمعية حتى اليوم فهو يستحق محاكمة عادلة ويستحق ان يقف ليس امام نيابة امن الدولة التى استخدمها ضد خصوم النظام ولكن امام نيابة عادية.
ولكن المدهش حقيقة ان ترى من لا يميز بين كرامة الشعب المصرى مقابل كرامة الرئيس فهؤلاء لا يرون ان عودة هذه الأمة التى خرجت لتطالب برحيل رئيسها هى حقيقة امتهان لكرامة الشعب وعدم اكتراث بمطالبه الحقيقية والمشروعة فى رؤية مصر جديدة بلا رئيس لا يزال يرى انه يحتكر الحقيقة وانه هو الاستقرار وبعده الفوضى.
وهناك ايضا من يختصر المشهد في الحاجة الى الحفاظ على الرئيس بالنظر الى تاريخية في خدمة البلاد. وهو امر شديد التسطيح بالنظر الى ان مطالب الشعب هو تنحية الرئيس وليس الغاء تاريخة فهذا حقه الشخصى الذي يمكن ان يحتفل به ومن يتضامن معه طويلا ولكن هذا لا يعنى ان تستمر مصر اسيرة تاريخ رئيس يعتبر وبحسب المراقبين هو الأكثر استفادة من حرب اكتوبر اكثر حتى من الرئيس السادات الذي قاد حرب اكتوبر.
احب هنا ان اقدم اربع شخصيات كانت على درجة كبيرة من الإسهام في تاريخ بلادها ولكنها عن نقطة معينة اما تركت الحكم بإرادة شعبية او برغبة شخصية رغم تاريخهم الحافل حيث ان شعوبهم نظرت لهم على انهم محطات في طريق الوطن وان الوطن لا يجب ان يتوقف ولو للحظة واحدة من اجل شخص مهما كانت هامته وقامته وليس في ذلك من باب نكران جميل ولكن من باب ان فكرة الوطن لا يمكن ان تختزل في افراد. واتذكر هنا ابو بكر الصديق رضى الله عنه الذي وقف يقول عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم "من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت" وأنطلق الصحابة رضوان الله عليهم في اختيار خليفة المسلمين قبل دفن الرسول صلى الله عليه وسلم في واحدة من الصور الدالة التى ترسخ قيمة الفكرة لا الفرد مهما كانت قيمته.
هذا هو شارل ديجول الذي قاد بلاده للتحرر من الاحتلال الألمانى وهو بالمناسبة رجل عسكرى استطاع أن يكون جيشا بعد انهيار جيش بلاده واحتلالها على يد الألمان بعد نهاية الحرب وقاد حركة المقاومة ضد الألمان حتى حققت بلاده استقلالها. وكان ديجول يزاول الحكم في الحكومة المؤقتة بعقلية رئاسية، فلما بدأ التذمر في صفوف الشعب الفرنسي، أجرى ديجول استفتاء عاماً أسفر عن إيثار الشعب لحكم نيابي، فاستقال من منصبه سنة 1946 واعتزل السياسة.
اما وينستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا فقد قاد ليس فقط بريطانيا بل الغرب كله لنصر ضد النازية الألمانية. وشغل وينستون تشرشل منصب رئيس وزراء بريطانيا عام 1940واستمر فيه خلال الحرب العالمية الثانية وذلك بعد استقالة تشامبرلين. استطاع رفع معنويات شعبه أثناء الحرب حيث كانت خطاباته إلهاماً عظيماً إلى قوات الحلفاء. كان أول من أشار بعلامة النصر بواسطة الاصبعين السبابة والوسطي. ولكن "المسكين" بعد الحرب خسر الانتخابات سنة 1945 وأصبحَ زعيمَ المعارضةِ ثم عاد إلي منصب رئيس الوزراء ثانيةً في 1951 وأخيراً تَقَاعد في 1955.
ويقدم نيلسون منديلا المناضل الإفريقى الأشهر صورة نادرة لرجل قضى زهرة حياته في المعتقلات التي بدأت في فبراير 1962 اُعتقل مانديلا وحُكم عليه لمدة 5 سنوات بتهمة السفر غير القانوني، والتدبير للإضراب. وفي عام 1964 حكم عليه مرة أخرى بتهمة التخطيط لعمل مسلح والخيانة العظمى فحكم عليه بالسجن مدى الحياة. خلال سنوات سجنه الثمانية والعشرين، أصبح النداء بتحرير مانديلا من السجن رمزا لرفض سياسة التمييز العنصري. وفي 10 يونيو 1980 تم نشر رسالة استطاع مانديلا إرسالها للمجلس الإفريقي القومي قال فيها: "إتحدوا! وجهزوا! وحاربوا! إذ ما بين سندان التحرك الشعبي، ومطرقة المقاومة المسلحة، سنسحق الفصل العنصري". في عام 1985 عُرض على مانديلا إطلاق السراح مقابل إعلان وقف المقاومة المسلحة، إلا أنه رفض العرض. وبقي في السجن حتى 11 فبراير 1990 . منديلا بعد ان وصل مقعد الرئاسة ورغم تاريخة الطويل الذي كان يمكن ان يجعله يجلس مرتاحا على كرسى الحكم حتى اخر نبض في قلبه على حد قول الرئيس مبارك فقد ترك الحكم طواعية ليفسح الطريق امام غيره ليقود وطنه لمستقبل افضل.
اما رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد الذي حول بلاده من دولة زراعية تعتمد على إنتاج وتصدير المواد الأولية إلى دولة صناعية متقدمة يساهم قطاعي الصناعة والخدمات فيها بنحو 90% من الناتج المحلي الاجمالي، وتبلغ نسبة صادرات السلع المصنعة 85% من اجمالي الصادرات، وتنتج 80% من السيارات التي تسير في الشوارع الماليزية. كانت النتيجة الطبيعية لهذا التطور ان انخفضت نسبة السكان تحت خط الفقر من 52% من اجمالي السكان في عام 1970، أي أكثر من نصفهم، إلى 5% فقط في عام 2002، وارتفع متوسط دخل المواطن الماليزي من 1247 دولارا في عام 1970 إلى 8862 دولارا في عام 2002، اي ان دخل المواطن زاد لاكثر من سبعة امثال ما كان عليه منذ ثلاثين عاما، وانخفضت نسبة البطالة إلى 3%. وقد قضى مهاتير محمد 22 عاما في رئاسة الوزراء ولكنه اقدم على الإستقالة من منصبه ليترك لبلاده لتنطلق تحت قيادة جديدة رغم انه لم يكن هناك تهديدا لرئاسته.
يمكن لبعض من يريدون استمرار مبارك في الحكم ان يتصوره اكبر من هؤلاء جميعا رغم حقنا عليهم ان يدرسوا تاريخه ونمط حكمه لمصر طوال 30 عاما ولكن عليهم ايضا ان يستدعوا انجاز مصر الحضارى على مدى اكثر من 7000 عام حتى يقارنوا بين تاريخ بلادهم وتاريخ رئيسهم الذي اخذ 30 فرصة قبل ان تنفجر البلد في وجهه يوم 25 يناير 2011.

السبت، 5 فبراير 2011

عناد الرئيس وعناد الشعب

يحاول الرئيس مبارك ان يتشبث لأخر رمق بالسلطة يسانده في ذلك مجموعة من المنتفعين بنظامة داخليا وخارجيا. وقد كان الرئيس مبارك يحاول طوال الأيام الماضية ان يجهض ثورة هذا الشعب على المستوى الخارجى . ولعل البعد الخارجى لا زال هو هدف وامل الرئيس في البقاء في السلطة حتى اخر نفس كما قال من قبل والذي بات اليوم يتمترس وراء الجيش بعد ان فقد الأمل في قبول شعبه لحكمه. ويعتمد الرئيس مبارك في استراتيجيته بشدة على ان المصالح الغربية واسرائيل على وجه الخصوص ستتعرض للخطر بعد رحيله وان البديل لحكمة هم الإخوان المسلمون.
والحقيقة ان الرئيس مبارك ربما يستطيع ان يتمترس خلف الجيش ولكن ليس للأبد وربما يكون الغرب مترددا في التخلى التام والعلنى عن مبارك ولكن الغرب لا يريد ان يخسر مصر للأبد كما فعل مع ايران عندما ساندت الولايات المتحدة نظام شاه ايران ووقفت معه حتى غرقت سفينته تماما. ومن ثم فإن التحول في المواقف الغربية ربما سيشتد مع الوقت لأن هذه الدول لا تريد ان تفقد مصر بوصفها دولة محورية وذات اهمية استراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط.
قد يتصور البعض ان الرئيس ربما يلجأ عند نقطة ما في استخدام الجيش ضد شعبه ولكن هذا الأمر خطأ وغير عملى. صحيح ان قيادات الجيش تساند الرئيس مبارك ولكن هذا الامر غير مضمون على الإطلاق في المستويات الدنيا في الصفوف القوات المسلحة خاصة ان هذه الصفوف تعانى تقريبا مما يعانى منه المصريون لذلك فليس امام الجيش سوى البقاء في موقفه الحالى.
وامام الرئيس مبارك يقف الشعب المصرى في موقف تاريخى اخترق حاجز الخوف واسقط الرهبة من سطوة ارهاب الدولة. لقد اظهر الشعب المصرى عنادا واضحا لا يقل بل ربما يفوق عناد الرئيس الذي وقف يوم الجمعة 25 يناير امام قمة جبروت وسطوة نظام الرئيس مبارك المتمثل في امن الدولة وقوات مكافحة الشغب والأمن المركزي ومليشيات الداخلية ونجح الشعب ان يرسل واحدة من اكبر رسائله لمبارك وهو ان اكبر مؤسستين كان الرئيس مبارك يعمل على تقويتها طوال 30 عام وهما الداخلية والحزب الوطنى وعمل بالمقابل على اضعاف كافة المؤسسات الأخرى بما فيها الجيش نفسه والقضاء والأحزاب والنقابات وغيرها من منظمات المجتمع المدنى في مصر لصالحهما قد انهارا.
حاول الرئيس بعد ذلك ايام الأربعاء والخميس بعد المظاهرة المليونية ان يستغل عرضه بالرحيل في سبتمبر وانه يريد ان يدفن في وطنه والتى تشبه اعلان الرئيس الراحل عبد الناصر التنحى عن الرئاسة عام 1976 والتى اعقبها خروج مظاهرات تطالبه بالبقاء. أراد الرئيس مبارك استخدام هذا الخطاب ليقوم بمحاولته الثانية غير التقليديه لإجهاض ثورة الشعب بإستخدام ذات القوات الأمنية التى انسحبت يوم 25 بالإضافة الى بلطجية نواب الحزب الوطنى ورجال الأعمال وظن انها كافية لإنهاء الثورة. ولكن عناد الشعب وقف بكل صلابة امام هذه المحاولة ايضا في واحدة من احقر محاولات النظام للإرهاب شعبه وانهاء الثورة. وربما يوضح هذا اليوم قدرة شباب الثورة على العناد والتشبث بموقفهم الحالى.
ربما احبط البعض عندما انتهى يوم جمعة الرحيل ولم يرحل الرئيس- وهو ما كنت أتوقعه بالفعل ويتوقعه الكير من المراقبين- ولكن الحقيقة ان يوم الجمعة نجح ايضا ان يرسل رسالة اخرى من الشعب الى النظام وهو ان حملة الإرهاب التى شنها يومى الأربعاء والخميس رغم انها استمرت ايضا يوم الجمعة ومع ذلك فشلت في اخافة الشعب والمتعاطفين مع المتظاهرين.
يراهن مبارك على ان الشعب ستخور عزيمته ويرجعوا لبيوتهم ولكنه ينسى أن قلب الثورة شباب والشباب في الغالب يتسم بالعناد والقدرة على التجديد والإبتكار. وربما مع مرور الوقت تكتسب هذه الثورة زخما اكثر بعد ان يقتنع المزيد من الشعب امام اخطاء النظام المتلاحقة واصرار الرئيس على تحدى ارادة شعبه على ان رحيل الرئيس هو الأقرب للتصور وليس عودة شباب الثورة لبيوتهم. فهل ينتصر عناد الرئيس على عناد شعبه ويتغلب على رغبتهم فى رؤية رئيس جديد غير الذي حكمهم طوال الـ 30 عاما الماضية.

الأربعاء، 6 يناير 2010

عام على هزيمة الإنسانية


 لا يمكن لأي إنسان محايد يتمتع بفطرة سليمة إلا أن يعتبر ما حدث في غزة مطلع العام الماضي ولم ينتهي إلى يوم الناس هذا سوى إنها هزيمة جديدة للإنسانية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. ذلك لأن جريمة وقعت بكل تفاصيلها الدقيقة على مرأى ومسمع من العالم كله وفر فاعلها بلا عقاب رغم انه معلوم المعالم والعنوان. صحيح أن الإنسانية شهدت مثل هذه الجرائم ولكن الوحشي والمثير للشفقة هو ذلك المستوى المتدني الذي وصلت له الفطرة الإنسانية حيث أن الجريمة لا تزال مستمرة والجرح الإنساني العميق لا يزال ينزف بغزارة والجميع يقف مكتوف الأيدي بل وربما في وضعيه التواطؤ مع المجرم. ولولا الأضواء الخافتة الواهنة التي نراها في نهاية النفق شديد العتمة الذي تقف فيه الإنسانية الآن من أصحاب النفوس السوية التي لا يزال قلبها ينبض بالحياة لأعلنت وفاة الإنسانية واختفاء نوازع الخير فيها.




دعونا نتفق بداية أن إسرائيل خرجت مهزومة في هذه الحرب هزيمة بالمعنى الحرفي للكلمة. هزيمة عسكرية إذ فشلت في تحقيق أي من أهدافها المعلنة أو حتى الخفية سوى الدمار والقتل الذي خلفته وراءها ولكنها بشهادة كل العسكريين تلقت هزيمة عسكرية إستراتيجية فالحرب ليست موسم قتل وتدمير بل هي طريق لإخضاع العدو. قد يقول قائل إنها نجحت في تحقيق أهدافها والدليل أن الصواريخ التي تطلق عليها توقفت. والرد أن إطلاق الصواريخ لم يتوقف حتى بعد إعلان إسرائيل وقف عملياتها العسكرية. وان المقياس من الآن فصاعدا ليس في حجم ما يمكن أن تلقي به المقاومة على إسرائيل من صواريخ بل في حجم ما ستلقاه إسرائيل من مقاومة وما ستتكبده إسرائيل من خسائر في أي معركة عسكرية مشابهة لما حدث في أوائل العام المنصرم.
ولكن وكما هو الحال في حرب إسرائيل على لبنان عام 2006 خرجت إسرائيل مهزومة استراتيجيا ولكنها حققت عبر حلفائها ما لم تستطع أن تحققه في الميدان. واستطاعت عبر الضغوط الدولية والداخلية أن تبعد فوهة البندقية عن رأسها قليلا. وهو ما حاولته بنفس السيناريو بعد حرب غزة. فسارعت إلى توقيع أغرب اتفاق وقف  إطلاق نار في التاريخ عبر اتفاقية مع طرف ثالث لوقف الحرب في الاتفاقية المعروفة باسمي ليفنى- رايس والتي تعهدت فيها الولايات المتحدة بعدت تعهدات كلها ينبغي على أطراف أخرى أيضا أن تنفذها مثل وقف تهريب السلاح وضبط الحدود مع القطاع إلى آخره.
أخطر ما وقع أثناء هذه الحرب هو حالة الفرز والاستقطاب الشديدين التي أسفرت عنها هذه الحرب وبشكل اكبر من الحرب اللبنانية. إذا أن العالم انقسم إلى نقيضين احدهما مع إسرائيل وحلفاءها يؤيد الحرب سرا وعلانية والطرف الأخر وقف إلى جانب المقاومة يساندها ويكشف الجرائم التي ارتكبت في حق شعب أعزل يقف أمام  قوة عسكرية مدججة بالسلاح ولكنها بائسة سياسيا واستراتيجيا وتبحث عن نصر بأي ثمن. وكان الفرز في الجانب العربي أشد ووضح تباين المواقف بشكل فاضح مما جعل تسمية "حرب الفرقان" التي أطلقتها حماس على الحرب هو الأنسب لهذه الحرب حيث كانت بمثابة لحظة الكشف التي ظهر فيها الجميع بلا أقنعة وكل الوجوه بلا رتوش. 




في كل الأعراف الإنسانية فإن تسجيل حي لجريمة ما هو قمة النجاح في إثبات أركان الجريمة بما يسهل الأمر على أي قاضي للإدانة المجرم وتوقيع العقاب المناسب عليه. ولذلك لم يكن من الصعب على ريتشارد جولدستون، القاضي ‏السابق بالمحكمة الدستورية لجنوب إفريقيا والمدعي السابق للمحكمتين الجنائيتين الدوليتين ليوغوسلافيا ‏السابقة ورواندا‏ أن يتوصل للحقيقة حيث كانت واضحة وضوح الشمس. وهنا نسجل أول هزيمة للإنسانية بصورة عامة وهزيمة لبعض الأطراف ومنها فلسطينية للأسف. إذ لو حدث ما حدث مع كيان أخر غير إسرائيل لسيق العشرات من قيادته إلى السجون ووضعت أسماؤهم على قوائم المطلوبين لدى الجنايات الدولية. ولكن في هذه حالة فإن عملية التغطية على الجريمة والتهرب من إدانتها والتستر على مرتكبيها لا يزال مستمرا.
وبعد أن وضعت الحرب أوزارها بصورة مفاجئة بدون أن تتوقف المقاومة عن إطلاق الصواريخ ولا أطلق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير أو تسقط حماس أو تضعف قبضتها على القطاع أو حتى يقف التهريب بدأت حرب من نوع أخر أقذر وأشد شراسة في تقديري حتى من الفسفور الأبيض الذي قتل وشوه الفلسطينيين آلا وهو حرمان الفلسطينيين من ثمرة الصمود والانتقال إلى مرحلة إحكام الحصار والخنق لغزة. فتوقفت عملية إعادة الإعمار ولم يسمح بدخول مواد البناء الضرورية لأكثر من 6000 أسرة تسكن الآن في الخيام و العشش. بل وحرم القطاع من أبسط ضرورات الحياة ليتحول إلى اكبر سجن في تاريخ البشرية. وهنا تلقت الإنسانية هزيمة جديدة إذ وقف العالم كله يشاهد جزءا من الكيان البشري يتعرض لتعذيب وتنكيل يومي بسبب خياره الديمقراطي والسياسي وخيارة الجغرافي بوقوعه في هذا المكان في من العالم واستعداده المذهل للدفاع عن حقه في الحرية والحياة الكريمة.
وعلى نقيض الحالة اللبنانية التي كان لسوريا دور مركزي داعم لحزب الله في حربة مع إسرائيل فإنه في الحالة الفلسطينية كان النظام المصري للأسف شوكة في ظهر القطاع فما أن انتهت الحرب ووقعت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسبي ليفنى مع وزيرة الخارجية الأمريكية المنصرفة كوندليزا رايس اتفاقها الشهير حتى بدأت السلطات في مصر خطوات أشبه بالتنفيذية فالأنفاق التي أضحت شريان الحياة الوحيد للفلسطينيين الذي لم يتم سده منذ بداية المقاومة راحت تتساقط ويعلن الكشف عنها ليصل إلى 62 نفق منذ بداية العام حتى شهر أكتوبر بل إن السلع التي ظن أنها تعد للتهريب للقطاع تم الكشف عنها ومصادرتها. وترافق ذلك مع زيارة مراقبين دوليين للحدود المصرية مع غزة للتعرف على جهود الحكومة المصرية لوقف عمليات التهريب مع غزة. بعد ذلك شرع النظام المصري في واحد من أخطر مشاريعه وأبعدها أثرا ليس فقط على غزة وأهلها بل على مصر وأمنها القومي على المدى البعيد كان ذلك الجدار الفولاذي العازل الذي جاء الكشف عنه من إسرائيل نفسها. وبعد محاولة مصرية بدائية في النفي، تراجعت وأعلنت أنها تقوم فعلا بعمل الجدار دون الكشف عن تفاصيله والسبب من وراء بناءه بل وتكلفته أيضا التي قيل أنها تبلغ 23 مليون دولار أمريكي. 




الهدف المصري من هذه الإجراءات غير مبرر وغير معلن ولا يمكن تفسيره وإعطاؤه الشرعية والمنطقية بناء على حجج النظام المصري وإعلامه بأنه وقف تهريب المخدرات والإرهاب الخ.. في الوقت الذي لم تسجل فيه أي عملية إرهابية وقعت في مصر كان مصدرها غزة تحديدا. بل ويعجب المرء من سذاجة طرح تهريب المخدرات من قطاع يسأل الله ثمن الدقيق. ولكن بعض التدقيق في الصورة يمكن أن يكشف عن بعض الأسباب لهذه المطاردة المصرية لغزة بعد توقف إسرائيل نفسها عن الحرب المعلنة.
أعتقد أن أهم هذه الأسباب للهزيمة الإنسانية للنظام المصري في حالة غزة هي:
1-    الربط العجيب بين حماس في فلسطين وحركة الإخوان المسلمين في مصر. نعم حماس هي امتداد الإخوان المسلمين في فلسطين ولكن أجندة حماس تختلف من حيث بنودها وأبعادها عن تلك التي تتصل بالإخوان في مصر. فحركة حماس في فلسطين حركة مقاومة تسعى لتحرير فلسطين من الاحتلال الإسرائيلي ولذلك فإن الداخل المصري لا يعنيها في شيء بل إنها في تقديري احرص على علاقة دافئة مع مصر لما في ذلك من تسهيل لوضعها تحت الحصار. ولكن الحساسية المصرية المفرطة تجاه الحركة بدا واضحا منذ اليوم الأول لوصول الحركة إلي السلطة حتى وهي في حكومة وفاق وطني مع فتح والرئيس عباس. فظل تعامل مصر مع قيادات ووزراء حماس من خلال جهاز المخابرات العامة لتماثل وضع الإخوان في مصر والذي تعتبرها الحكومة المصرية حركة محظورة تتعامل معها من خلال جهاز امن الدولة.
2-    الموقف الدولي من حماس والذي عمل على وضع حكومة حماس تحت الحصار الدائم ولم تنجح الدول العربية بتعديل هذا الموقف رغم قدرتها في رأيي على ذلك حيث أن وضعية حماس كحركة منتخبه ديمقراطيا كان يمكن أن يسهم في تخفيف الحصار الدولي عليها لولا اشتراك دول ما يعرف بالاعتدال العربي والنظام المصري على وجه الخصوص في عملية منظمة لخنق وإسقاط حكومة حماس.
3-    ملف التوريث في مصر والذي يظل احد الأسباب للتعاطي الإيجابي للنظام مع المطالبات الدولية لخنق غزة بهدف إخضاعها للشروط الإسرائيلية  أو إسقاط نظامها وإعادته لنظام عباس.
في ظلال هذه الهزيمة الإنسانية بدا موقف النظام المصري مريبا وعجيبا فهو مستعد بل ويرحب بمقابلة مجرمي الحرب من أمثال أولمرت وليفنى ويهود بارك ورئيس السلطة الذي فقد كل أوراقة عوضا عن شرعيته في الوقت الذي ظل فيه على تحفظه ومعاملته غير السوية مع الشريك الفلسطيني الأهم في القضية الآن. وانتهى العام الأول على هزيمة الإنسانية في غزة بمواقف غريبة وتعنت حول مسار قافلة إغاثة وقيود على أعداد ناشطين جاءوا من كل أركان الدنيا لإضاءة شمعة أمل في نفق الإنسانية المظلم في غزة فإذا بالحكومة المصرية تمنع معظمهم من دخول القطاع لتصادر حق أخر لسجين غزة في أن يقرر وحده من يزوره.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن كم مبرر قدمه العالم والنظام المصري وبعض الفلسطينيين أنفسهم لإسرائيل لمواصلة جريمتها ضد أبناء الإنسانية في غزة؟


الثلاثاء، 1 سبتمبر 2009

الحرب على الأخوان ... لماذا؟




تثير الحرب الشعواء والهجمة الشرسة والملاحقة حامية الوطيس للإخوان المسلمين تساؤلات كثيرة على الساحة السياسية عن السبب الحقيقي وراءها. هل السبب هو ان الأخوان تهديد فعلي للأمن القومي كما ردد بعض كبار المسئولين في النظام المصري؟ هل هذه الحرب نتيجة موقف الأخوان من مشروع التوريث الذي يجري على قدم وساق؟ هل الحرب بسبب ترتيبات للانتخابات وشيكة الحدوث في مجلس الشعب او ترتيبات لما بعدها على رئاسة الجمهورية؟ أم السبب أن الأخوان يقومون حاليا بانتخابات مجالس شورى هياكلهم الداخلية ومن ثم فالدولة تريد ان تعرقل مثل هذا الأمر؟ أم أن الأخوان هم القوة السياسية الوحيدة الفاعلة في مصر المنافسة للحزب الحاكم، ومن ثم فإنها تنال القسط الأوفر من الضربات من جانب النظام؟


قد يملك البعض إجابات بنعم على هذه الأسئلة ولكن السؤال الأهم هل تكفي هذه الأسباب وحدها لتعلن الدولة هذه الحرب الشعواء على اكبر الجماعات الإسلامية في مصر المحروسة. ربما نعم وربما لا.

الحقيقة ان نهج نظام الرئيس حسني مبارك تحديدا مع الأخوان منذ أن جاء للحكم مر بمراحل بدأت في السماح لعودة الأخوان شأنهم في ذلك شأن كافة القوى السياسية في مصالحة مع كل اطياف العمل السياسي وقتها مع عدم الاعتراف للإخوان تحديدا بشرعية الوجود الرسمي والذي تمثل في إشارة الرئيس باستقبال كل من اعتقلهم الرئيس الراحل أنور السادات عدا قيادات الأخوان المسلمين.

وكانت الإعتقالات في صفوف الأخوان تتم في المستويات الدنيا بهدف تحديث قاعدة بيانات اجهزة الإمن بالأعضاء الجدد في الجماعة والتعرف على اخبارها ولكن حدث تحول في علاقة النظام مع الأخوان في اعقاب الفوز التاريخي للإخوان في نقابة المحامين وسيطرتهم تقريبا على النقابات الفاعلة في البلاد وعندها استشعر النظام خطر الأخوان وما اعتبره زحفا على الحكم لذلك بدأ في توجيه الضربات للإخوان وسن القوانين التى تقيد تواجدهم في مؤسسات المجتمع المدني مثل ما عرف بقانون ديموقراطية النقابات، ولكنها مع ذلك كانت في اطار استراتيجية الدولة التى تعمل على إضعاف كافة القوى السياسية الفاعلة وحتى غير الفاعلة في البلد لكي يستتب الأمر للنظام ولا يكون له بديل فعلي على الساحة. وهذا يفسر بعض الضربات شبه الدورية التى تتم من وقت لآخر في صفوف الأخوان وقبيل الانتخابات والمناسبات المهمة على وجه الخصوص.

ولكن التحول الدرامي في علاقة الأخوان مع النظام جاء في إعتقادي نتيجة رد فعل خارجي للنجاحات التى حققتها حركة حماس على الساحة الفلسطينية بوصفها الذراع الضارب للإخوان المسلمين في فلسطين. لقد خرجت حماس من الانتفاضة الأولى القوة الثانية الأبرز على الساحة الفلسطينية بعد حركة فتح ولذلك اتحدت ارادة الداخل مع ارادة الخارج في تحجيم الأخوان في مصر بداية لدفع اخوان مصر للضغط على اخوان حماس للتراجع عن مواقفهم خاصة مع تصاعد وتيرة المفاوضات بين فتح واسرائيل حول مباحثات السلام بتدخل امريكي مباشر.

وشهدت هذه الفترة اشتداد وتيرة المحاكمات العسكرية وانتهاج الدولة لسياسة ضرب مفاصل الأخوان بما يجعل الجماعة حية ولكنها لا تستطيع الحركة إذ تحول تركيز الضرب والملاحقة لقيادة الجماعة الفاعلين بما يحقق هدف الدولة وهو اضعاف الجماعة والتصوير للولايات المتحدة واسرائيل انها ماضية في حربها ضد الجماعة. بحيث اصبح للإخوان ممثلون دائمون في السجون المصرية.

ولكن الأخوان وقد اعتادوا مثل هذه التكتيكات من الدولة بل واكثر منها من قبل نجحوا في التعايش مع الوضع بشكل عجيب بطريقة جعلت تلك الضربات اقل فاعلية وتأثيرا على الجماعة ومؤسساتها. وكان يظهر هذا النجاح جليا في كل مناسبة تسنح تعبرفيها الجماعة عن موقف سواء كان مشاركة في انتخابات أو مظاهرات ضد الحرب على العراق وأفغانسان وحروب والمذابح المتعاقبة في فلسطين وكذلك في المظاهرات التى نادت بالإصلاح في مصر وأخيرا وليس بآخر في انتخابات عام 2005 والتى برزت قوة وشعبية الأخوان بشكل استدعى لجوء قيادة سياسية كبيرة جدا في البلد للاتصال برئيس وزراء اسرائيل وطلب مساعدته في التدخل شخصيا لدى الإدارة الأمريكية لوقف مطالبتها لها بعمل انتخابات نزيهة حيث كانت الولايات المتحدة تسعى لفرض الديموقراطية في الشرق الأوسط لتحسين صورتها في المنطقة وتقليل موجات الغضب والإرهاب المتصاعدة ضدها في المنطقة نتيجة مساندتها للأنظمة الديكتاتورية. وهذا يفسر التحول الكبير في انتخابات مجلس الشعب في انتخابات الإعادة في المرحلة الثانية والمرحلة الثالثة والتى عاد فيها النظام إلى أسلوب الحديد والنار وتقفيل اللجان ومنع الناخبين.

ولكن النقلة النوعية الكبرى في علاقة الأخوان مع النظام والغرب جاءت بعد فوز حماس الكاسح في الإنتخابات الفلسطينية وتشكيلها أول حكومة فلسطينية لرئيس الوزاء فيها سلطات واسعة وهو ذات المنصب الذي كانت الولايات المتحدة واسرائيل وحلفاءهما يريدونه للسيد محمود عباس قبل أن يرحل ياسر عرفات بطريقة أو بأخرى ويحل محمود عباس مكانه.

لم يكن في حسبان الولايات المتحدة ولا اسرائيل أن تحقق حماس مثل هذه النتيجة وانقلب السحر على الساحر وجاءت حماس واشتد الحصار والمؤامرات على حكومتها ليشترك فيها الجميع ليس فقط اسرائيل وامريكا وأوروبا عموما بل ما عرف بدول الإعتدال وفتح. وهنا برز مجددا دور اخوان مصر كخط دفاع مادي ومعنوى عن حماس والقضية الفلسطينية عموما. وجاءت حرب الفرقان على غزة لتظهر وتكشف بل وتعري كل المواقف بما لا يدع مجالا للتجمل وبدا الأمر كما وأن حماس والأخوان المسلمين في جانب والعالم كله في جانب اخر بإستئناء بعض الدول القليلة والأفراد من المقاومين للمشروع الصهيوني الأمريكي.

وخرجت اسرائيل مهزومة من الحرب على غزة ولكنها كما في الحالة اللبنانية بعد حربها على حزب الله حاولت ان تنال بالسياسة والضغط ما لم تستطع تحقيقه بالحرب فتداعت الدول الغربية لنصرتها ووقعت وزيرة خارجيتها لفينى اتفاقية مع الولايات المتحدة لإحكام الحصار على غزة.

ومن ثم تأكد للجميع أن هزيمة حماس في فلسطين تبدأ غبر ضرب الأخوان في مصر وعقاب الجماعة لدورها في حرب غزة ودعم حماس وهنا اشتعلت موجة الاعتقالات مرة اخرى والتى كانت موجهة بالأساس للقيادات الفاعلة في دعم القضية الفلسطينية والساهرة على الجهود الإغاثية للشعب الفلسطيني.

هناك نقطة يجب ان نطرحها في هذا السياق هو ان الولايات المتحدة ليست اوباما فالمؤسسات والقوى الفاعلة فيها أكبر من أن يتجاوزها او حتى يتجاهلها اي رئيس. وامريكا كثيرا ما تقول في العلن عكس ما تفعله في السر، فكثير من الأحزاب تم حظرها بضعوط امريكية وحقوق الإنسان والديموقرطية لم تكن يوما سوى مطية تحقق بها اغراضها. فهي مثلا سيف مسلط على رقبة ايران والسودان في الوقت الذي تغط في نوم عميق في الحالة التونسية.

لذا لم يكن من الغريب أو من قبيل المصادفة أن تتواتر انباء الاعتقالات في صفوف الأخوان المسلمين للتزامن مع زيارة الرئيس مبارك للولايات المتحدة بعد فترة قطيعة طويلة. إذ يجب أن يظهر النظام انه حازم في تعقب الأخوان المسلمين في مصر لتحجيم دورهم في مساعدة فرعهم في فلسطين وكذلك عليه أن يوضح أن حصار حماس بتعقب الأنفاق - التى وصل عدد ما كشف منها الى 350 – هذا بالإضافة الى مئات مخازن الأغذية بل وحتى المواشي التى ضبطتها القوات المصرية وقيل إنها كانت معدة للتهريب الى غزة. ويقدم النظام الدلائل على ذلك لعشرات الوفود الأمريكية والأوربية التى تزور الشريط الحدودي بشكل دورى.

ولكي نستبعد او نضع باقي الأسئلة السابقة في حجمها الطبيعي وخاصة فيما يتعلق بموضوع التوريث نقول ان التوريث في مصر يقوم على محورين
الأول: تجهيز خارجي: وذلك بتسويق السيد جمال مبارك دوليا لينال الشرعية الدولية وهو الأهم.
والثاني: تجهيز داخلي بتهيئة المناخ داخليا لنقل السلطة من الأب الى الأبن.
يخطئ من يظن أن شرعية النظام مستمدة من الشارع. فلم تكن الانتخابات الرئاسية في مصر يوما سوى ديكور او شئ لزوم الشئ لترسيخ واقع قائم. ومن ثم فإن الشرعية الداخلية كانت تأتي إلى عهد قريب من مؤسسات سيادة. ولا اعتقد أن أيا من هذه المؤسسات يمكن ان يكون له كلمة في نقل السلطة من الأب الى الأبن إذا تم ذلك والرئيس على قيد الحياة. ولكن قد يبرز دورها اذا ما تمت المحاولة بعد وفاة الرئيس بغض النظر عن قوة التمكين الحالية للأبن في الحزب الحاكم وحكومته.

وهناك – في اعتقادى- قوى وافراد أعلى صوتا وأشد مجاهرة برفض التوريث من الأخوان رغم أن الأخوان هم الوحيدون الذين يمكن أن يجلعوا للشارع كلمة في التوريث مع الشك في مدى فاعلية هذا الشارع في إحداث نقلة نوعية أو هزة كما حدث في الحالة الإيرانية في موجة الغضب ضد نتائج الانتخابات الأخيرة.
وللنظام سابقة تمرير التعديلات الدستورية رغم الاحتجاجات التى قام بها الأخوان والقوى الأخرى والمعارضة ضد الخروقات التى أحدثها النظام في الدستور المصرى.

وأعتقد أن تجربة تسويق السيد جمال مبارك محليا رغم تكرار المحاولات كانت دائما ما تبوء بالفشل لتنبه النخبه لمقاصدها والتنبيه الدائم حول اهدافها. لذلك كلما كان النظام يتخذ خطوة فإنه ما يلبث ان يتراجع ويتوقف وقد يكون الهدف الوحيد من تكرار المحاولة هو التذكير أن المشروع قائم بما يجعل الأذهان مستعدة دائما لمثل هذا الواقع. وهو على اي حال إحدى وسائل فرض الأمر الواقع.
لذلك فإن مشروع التوريث يتم داخليا على مستوى التمكين السياسي وفرض الأمر الواقع وأعتقد أن المشروع من هذه الناحية قد أوشك على النضج إذا كان الهدف أن يكون التوريث والرئيس على قيد الحياة.

هناك خطوة حاسمة وهي الأهم تتمثل في تسويق السيد جمال خارجيا وهنا يحاول النظام عرضه من وقت لآخر للوصول لقبول للفكرة وهذه السياسة القائمة على طرق الأبواب قد تنجح في نهاية المطاف ولكن بثمن. قد يكون هناك ثمة قرار غير معلن في الإدارة الأمريكية بقبول فكرة التوريث ولكن الذي يمنع القبول العلنى هو الإصطدام بالقوى الداخلية والشارع الذي أعتقد أن الولايات المتحدة تحسب له حسابا ربما أكبر من رئيسها خاصة اذا كان رد الفعل عاليا وصاخبا. وقد يكون السبب أيضا في عدم الإعلان عن القبول هو استيفاء اوراق اعتماد الابن وقيام الأب بدوره كاملا بما يثبت صلاحيته لنيل مثل هذه الجائزة. وهنا نعود لحماس مجددا التى تقع في القلب من الصراع مع المشروع الصهيوامريكي. وإذا عدنا لحماس فإننا سنعود مؤكد للإخوان. فعلى النظام ان يحدث انجازا في ملف حماس إما بالقضاء عليها او ترويضها.
لذا فسيظل ملف الأخوان والإعتقالات مستمرا بل وسيشتد في بعض الأحيان.
وهنا يبرز سؤال وما هي استراتيجية الأخوان أمام مثل هذه الاعتقالات والمطاردات والتضييق والضرب. لا أزعم اننى أملك إجابة شافية لهذا الموضوع فقيادة الأخوان أجدر بأن تجيب عنها ولكن ما اتصوره ان اي ثمن دفعته او قد تدفعة الجماعة يعتبر زهيدا جدا إذا ما قورن بحجم وخطورة القضية الفلسطينية وأهمية بقاء المقاومة للمشروع الصهيوامريكي في فلسطين الذي تحمل حماس اليوم لواءه بإمتياز.

الثلاثاء، 1 يناير 2008

الإداري والمتخصص

توقفت كثيرا امام قرار بيل جيتس اغنى رجل في العالم صاحب شركة ميكروسوف الأمريكية العالمية بالتنازل عن لعب دور المسئول الإداري لمؤسسته العملاقة ليتفرغ لمسئولية تطوير منتجات الشركة التى يحتكر برنامجها الويندوز "النوافذ" الغالبية العظمي من أجهزة الكمبيوتر حول العالم. لقد تعامل الرجل مع مصلحة مؤسسته بمنتهى الموضوعية فشركته ستتستفيد منه اكثر إذا ما تفرغ لتطوير منتجات شركته وليس بمتابعة شئونها الإدارية التى يمكن ان يجد لها من هو اصلح منه.
الحقيقة ان هذا الموقف من الرجل يكشف لنا عن كثير جدا من الإشكاليات التى تواجهها كثير جدا من المؤسسات والجماعات اليوم بل ويصل الأمر ايضا الى اماكن بارزة في سدة الحكم هنا وهناك.
الحقيقة ان القدرات الفذه لكثير من الأشخاص لا تعنى بالضرورة انهم يمكن ان يكونوا اداريين ناجحين. فالعالم في معمله قد يخدم وطنه كثيرا ويصبح نعمه عظيمه لبلده وامته ولكنه يمكن ان يتحول الى كارثة محققة اذا ما تحول الى مدير يقود اشخاصا ويوظف موارد اقلها ان تفتقده في المكان الذي يحسن ان تجده فيه واكثرها ان تتخبط المؤسسة بالكامل بسبب عدم قدرته مثلا على حسب الأمور او جهله بالقواعد والقوانين الأساسية التي تحكم المؤسسات او القدرة على التعامل مع مختلف صنوف البشر واحتياجاتهم المختلفة.
ومن ثم فإن الإكتشاف المبكر لأصحاب القدرات الإدارية وتنمية مهاراتهم الإدارية وتجهيزهم للمهمة التى ستوكل إليهم مستقبلا جزء مهم جدا من عمل المربي والمدير الناجح. فعند نقطه معينة يظهر كل منا قدرات خاصة وتبرز امكانات او ميل الى التخصصية حيث يظهر المعلم مثلا انه اكثر عطاء مع الطلاب في حين انه يبدو ضعيفا إذا ما تولي الإشراف على عمل ما في المدرسة.
والمهم ايضا ان تخلق المؤسسة مناخا صحيا يقدر المتخصصين من حيث الوضع والمكانه بحيث ينال ذات المكانة والتقدير الذي ناله المدير فلا يشعر بالغبن لأنه سيظل طوال حياته يعلم الأجيال بل تزيد مكانته بوصفه خبير ويحصل على تقدير مادي ومعنوي ربما اكبر مما كان سيحصله لو انه تدرج في سلك الإدارة.
والأهم في نظري هو ايجاد قناعة ومناخ تربوي ملائم يوجد عناصر تستطيع ان تتعرف على قدراتها بشكل جيد وتكتشف قدراتها الذاتية وتحس بالرضا الوظيفي بالدور الذي تلعبه مهما بدا في نظر الناس قليلا. وهو جهد تربوي شديد الأهمية ويقوم على مهارة الإكتشاف للمواهب الخاصة بالأفراد وتنميتها وخلق وعي وثقافة لدي الفرد والمجموع بأن هذه الموهبه وهذا الدور هو الأهم والأصلح له وللمؤسسة. تماما مثلما أدرك بيل جيتس انه بوصفه صاحب المال الذي يوصف في امثالنا بأن قلبه "شقيان" لا ينبغي أن يشقى من اجل المال في حد ذاته بل على تطور العمل وان الجهد الفنى لا يقل اهمية عن الجهد الإداري بل يفوقه لأنه عنوان الإستمرار على المدي الطويل.
وفي مؤسساتنا في مصر عندما يبشر الموظف بأنه اصبح كبير اخصائيين وليس مديرا عاما فإنه غالبا ما يتوارى من سوء ما بشر به، بل وينعي ويندب حظه على اعتبار ان مستقبله الوظيفي انتهى وانه- إن جاز التعبير- قد دخل "الثلاجة" بالمصطلح العامي المصري. في حين ان وضعية كبير الإخصائيين هي وضعية الخبير الذي يجب ان يحظى بالتقدير المعنوي والمادي بل والتميز على كل المستويات.
وعليه ايضا فإن وصول رجل مثل الدكتور أحمد زويل الي سدة الحكم ممن رشحوه لرئاسة مصر أيام احلام التغيير السياسي في مصر المحروسة لا يعني ان مصر يمكن ان تصبح افضل ما لم يأت من يقول لنا إن الدكتور زويل مؤهل اداريا بنفس قدراته العلمية لقيادة بلادنا.
إن التخبط والإلتباس الشديدين في العلاقة بين الإداري والمتخصص والأدوار المنوطه بكل منهما وغياب الثقافة المجتمعية العامة التى تقدر مكانة الخبرة والتخصص وتضع نفوذ وتسلط وسطوة الإداري ووجاهته الإجتماعية في حجمها الطبيعي بلا إفراط ولا تفريط وكذا عدم وجود التربية الواعية التى تكشف للفرد قدراته وتدربه وتؤهله نحو افضل السبل لحسن توجيهها هي أحدى أهم اسباب الكوارث الإدارية التى تشهدها مصر هذا فضلا عن انها من اهم اسباب المشكلات التى تواجهها اية مؤسسة او جماعة تسعى للتقدم.

السبت، 1 ديسمبر 2007

مؤتمر انابوليس لضرب حماس واشياء اخرى

عودتنا الولايات المتحدة انها تندفع الى ترتيبات دبلوماسية في الفضاء السياسي إذا ما اقبلت على عمل ضخم على الأرض في المنطقة المنكوبه المعروفة باسم الشرق الأوسط؛ فقبل كل عمل عسكري وتغيرات حقيقية على الأرض فإن الحديث غالبا ما يدور حول تحرك سياسي يقوم على التهدئة قبل التحرك العسكري ومفاوضات بعده او قبله وهذا ماحدث بالفعل قبل حرب العراق الأولى وغزو العراق فيما بعد.
وعلى الرغم من ان هذا السلوك الأمريكي متكرر بحيث يفتقر للإبداع من حيث التنوع فإن العرب يقبلون في كل مرة على الوجبة الدبلوماسية الأمريكية بشهية عالية يحسدون عليها. حتى اصبح من احكام المنطق ان تقوم امريكا بتحرك دبلوماسي كمقدمه لعمل حقيقي على الأرض وفي المقابل يقوم العرب بالموافقة على تلك التحركات وبمنتهى الحماسة للرؤية الأمريكية.
لم يخرج مؤتمر انابوليس عن هذا السياق قيد انمله تقريبا حتى من ظن فيهم حسن الفطن امثال الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي اطلق حكمه الشهير قبيل حرب اسرائيل المدمرة على لبنان "بموت عملية السلام" وان على العرب ان يبحثوا عن حلول اخرى ليس منها ان تكون الولايات المتحدة هي الوكيل الرسمي والمعتمد لعملية السلام في الشرق الأوسط راح يقود الجامعة العربية في مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي زف العرب الى مؤتمر انابوليس. ولكنه للحق فقد تطوع بمقولة تنتمي لمزاج عمرو موسى الناري ينطبق مع دوره كـ"رامبو" العرب، كما وصفه الأسرائيليون، بأن العرب لن يقدموا التطبيع مجانا هذه المرة. على الرغم من علمه كدبلوماسى مخضرم ان قرار الذهاب الى المؤتمر كان قرار اجماع عربي وان قرار التطبيع كان دوما قرار فردي يخص كل دولة على حده. ما علينا..... لسنا الأن في مجال تقييم موقف الأمين العام ولكنه من باب التذكير بالفارق الجوهري بين صاحب الموقف وصاحب القول.
ظللت في حالة حيرة شديدة لفك شفرة التوجه الأمريكي هذه المرة هل هو ترتيب لعمل عسكري ضد ايران ام هو ترتيب لعمل عسكري امريكي او اسرائيلي ضد سوريا ام ماذا؟
فالدافع الإسرائيلي لعمل عسكري كبير بات حاجة ملحه لعدة اسباب:
1- إعادة الهيبة لإ سرائيل كقوة قاهرة في المنطقة بعد ان سقطت من مرتبة القوة التي لا تقهر بعد حرب اكتوبر 73 ثم القوة القابلة "للملطشة" على يد حزب الله في حرب لبنان الأخيرة العام الماضي.
2- المستقبل السياسي للطغمه الحاكمة في اسرائيل اليوم اصبحت على المحك حيث ينتظر ايهود ألمرت حكم المحقق الإسرائيلي فينوجراد حول الحرب قريبا جدا مما يهدد بانهيار الإئتلاف الحاكم بل وقد يطيح بمستقبل حزب كاديما نفسه.
وقد استبعدت عملا عسكريا كبيرا في غزة على اعتبار ان مثل هذا العمل لن يعيد لإسرائيل هيبتها المفتقده في المنطقة.
اما الولايات المتحدة فلها ايضا اهداف من عمل عسكري كبير ضد ايران او سوريا لأسباب تتعلق بالوضع في العراق. فقد اصبحت هزيمة امريكا في العراق شبه مؤكده وأصبحت العراق جرح غائر تنزف منه ادارة بوش والحزب الجمهوري شعبيتهما بما يجعل العراق السبب الأساسي لخسارة الحزب في الانتخابات الرئاسية القادمة بعد ان لحقت بالحزب هزيمة مدوية في إنتخابات الكونجرس الأخيرة.
ولنفس الاعتبارات المتعلقة بهيبة امريكا وتواجدها في هذه المنطقة من العالم ايضا فإن حاجة الولايات المتحدة الى عمل عسكري يطيح بأعداء امريكا في العراق ورغبه اسرائيلية جامحه لوقف طموحات ايران النووية فإن الحرب على ايران اولا وسوريا بدرجة اقل قد تكون السبب لنشوب حرب جديدة في المنطقة ولآن ولاء الدول العربية اساسي في الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية فإن عملا "دبلوماسيا" من قبيل احياء عملية السلام التى ادارت الولايات المتحدة لها ظهرها من اول يوم دخل فيه بوش الى البيت الأبيض قد يصبح مرغوبا. فالعرب يبحثون دائما على الجزر وسط العصى.
هذه المقدمه مهمه ايضا لآنها تبحث عن "النزوات والإغراءات" التى تدفع الولايات المتحدة واسرائيل لعمل عسكري في المنطقة وكذا في الدول التي تبرز لأول وهلة في الصورة كهدف لهذا العمل.
ولكن الحقيقة غالبا لا تكون في الصور شديدة القرب شديدة والوضوح رغم ان الولايات المتحدة واسرائيل والشهادة لله عودانا على انهما يعلنان عن نواياهما على رؤوس الأشهاد. فقالت الولايات المتحده انها ستغزو العراق لتغير النظام وفعلت وقالت اسرائيل انها ستحارب لبنان وفعلت. ومع ذلك فإن قليلا من إعمال الفكر في التصريحات والخطب التى اطلقها القاده هنا وهناك يوضح حقيقة البصلة الأمريكية و الإسرائيلية هذه المرة.
احتاج لبعض الإيضاحات من اجل استبعاد ملفي ايران وسوريا من سطح المكتب الإسرائيلي الأمريكي على المدى القصير والذي قد لا يتجاوز ربما ستة اشهر.
1- الأيضاح الأول استقيته من تصريحات لوزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس نفسها عندما سألها مراسل صراحة عما إذا كان الهدف من مؤتمر انابوليس هو حصار ايران فأجابت بأن حصار ايران لا يستدعي الخوض في حل مشكلة معقدة مثل القضية الفلسطينية من اجل ضمان عزلها حيث الأمر أيسر من ذلك كثيرا.
2- الوضع في عراق نفسه والذي بحسب الإحصاءات الحكومية العراقية نفسها شهد تراجعا غير مسبوق لقتل المدنيين حيث انحفض العدد بنسبة 29% بالمقارنة بشهر اكتوبر بحيت شهد شهر نوفمبر مقتل 538 عراقي مقابل 2000 متوسط عدد القتلي شهريا وهذا يعني اول ما يعني ضبطا للحدود من حيث تسلل العناصر المسلحة او السلاح نفسه. كما يعكس ايضا تدخلات لتهدئة الوضع السياسي في العراق الذي كانت تقوده وتحركه ايران بامتياز.
3- ان التركيبة السياسية في الكونجرس اليوم باتت مختلفة فقد طغى الحزب الديموقراطى على المشهد البرلماني هناك وهم يصرون على حرمان بوش من أي نتائج ايجابية في المشهد العراقي او الدولي تعزز فرص الحزب الجمهوري لذا فإن عمل عسكري ضد ايران اوسوريا سيستنزف جهدا سياسيا جبارا في الكونجرس من اجل تمريره ناهيك عن الوضع الدولي الرافض لأي مغامرات لرئيس الولايات المتحدة الأكثر دموية.
وبالنسبة لإسرائيل فإن الوضع ايضا لن يكون سهلا بالنظر لعدة اعتبارات:
1- هشاشة وضع ألمرت السياسي بعد حرب لبنان وكذا تحالفاته التي يبقي بها على حكومته.
2- ان عمل عسكري ضد ايران لن يكون بالسهولة المتصورة لأنه لن يقف عند حد الضرب دون رد. ومن ثم فقد تتخذ اسرائيل قرارا بضرب المنشأت النووية والعسكرية الإيرانية ولكن بترتيبات شديدة التعقيد تضمن مساندة امريكية فاعلة تصل الى حد المشاركة.
3- قد تكون سوريا هدفا معقولا لحرب اسرائيلية ولكن سوريا ليست مستعده لخوض مثل هذه الحرب ولعل هذا الأمر "الاستفزاز الإسرائيلي والبرود السوري" يفسر رد الفعل السوري والإسرائيلي من استهداف اسرائيل لمواقع السورية في الشهور القليلة الماضية والسكوت السوري المريب الذي لم يتجاوز حد الإقرار المتقتضب بالهجوم الإسرائيلي.

الترتيبات الأسرائلية للحرب
ولكن هناك ترتيبات عسكرية اسرائيلية تجرى على قدم وساق منذ هزيمة اسرائيل في جنوب لبنان شملت:
1- القيادات العليا للجيش الإسرائيلي بحيث عاد وزير دفاع عسكري للمنصب بدلا من عمير ميرتز المدني. فعاد باراك الذي كان رئيسا للأركان للجيش الإسرائيلي وهو يعود يعالج اخطاءه السياسية عندما كان رئيسا للوزراء واطاحت به من منصبه. كما تم تغيير قيادات مهمة مثل رئيس الأركان.
2- تم عمل عدة مناورات للجيش الأسرائيلي في اطار اجراءات لمعالجة نواحي القصور التى ظهرت في حرب لبنان.
3- كما قامت اسرائيل بإدخال تعديلات على الدبابة ميركافه والأسلحة التقليدية الأخرى التى اثبتت فشلها في حرب لبنان.
وفي ضوء الإستعدادات الإسرائيلية للحرب والتى لا تخطئها عين وفي ضوء تباعد إحتمالية ضرب ايران وصعوبة جر سوريا للحرب على المستوى المنظور وإستحالة تجدد الحرب ضد لبنان و حزب الله بعد ان اصبحت مقاومة حزب الله وتحجيمه ونزع سلاحه مهمة دولية-لبنانية بالأساس تصبح عملية اجتياح كاسحه لغزة الهدف الأقرب الى الإحتمال للأسباب والمشاهد التالية:
اما الأسباب:
1- ان الوضع بغزة يمكن ان يكون تكرارا لنموذج حزب الله في جنوب لبنان وهو وضع تسبب بالإطاحة بقيادات في قمة الهرم العسكري بل واتهامات وتلاسن بين القيادات السياسية الحاضرة للقيادات السابقة بأنها كانت ترى الخطر يتعاظم في جنوب لبنان ولم يحركوا ساكنا حتى جاءت الكارثة. وتوصلت تلك القيادات ان غزة مرشحة لتكرار نموذج حزب الله بدافع الروح المعنوية العالية التى اكسبتها المقاومة الشعبية هناك لمثيلاتها في الأراضي المحتلة ولتشابه التكتيكات التى يمكن ان تتبع في مواجهة الجيش النظامي الإسرائيلي.
2- سيطرة حماس على غزة كانت تعني ان رهان اسرائيل على مجموعات فلسطينية تحكم المناطق الفلسطينية بالنيابة عنها تحقق اهداف اسرائيل وتحافظ على امنها اصبحت مهدده بالفناء مما يجعل اسرائيل بلا ظهير فلسطيني وفي مواجهة مجموعات عنيفة المزاج لا تقبل بأنصاف الحلول.
3- أن مستقبل الحكومة الإسرائيلية على المحك في ضوء احداث لبنان وما لم يحدث على الأرض ما يوضح ان الحكومة استطاعت اصلاح أخطاء هزيمة لبنان ومعالجتها للنواحي الأساسية لأمن اسرائيل فإنه لن يكون بإستطاعتها الإستمرار.
4- أن الشهور السته عشر الأخيرة من حكم بوش والذي قدم دعما مطلقا وبلا حدود لإسرائيل يجب ان تستغل لحل ملف شائك مثل ملف المقاومة الفلسطينية ضمن ملفات محاربة الإرهاب حيث ان مرور الوقت سيجعل من الصعب على الحكومات الأمريكية مواصلة الدفع فيه بنفس العدوانية التي تتناوله بها الإدارة الأمريكية الحالية.
اما المشاهد:
1- فهو قرار اسرائيل اسناد العمليات العسكرية في غزة الى قوات "جولاني" المعروفه بأنها القوة الأولى في اسرائيل والمعدة للحروب ضد الدول بالآساس.
2- المقالات والتحليلات في الصحف الإسرائيلية وخارجها التى تتحدث عن استعدادات اسرائيل للحرب ومزاج اسرائيلي عام يسير في هذا الإتجاه للدرجة التى جعلت كاتبة اسرائيلية تؤكد بأنها لن ترسل ابناءها ليموتوا في غزة.
3- سماح اسرائيل بإرسال 25 مدرعة روسية للسلطة الفلسطينية في رام الله واستعدادها للتزويدها بالمزيد في اطار حربها على ما اسمته الإرهاب.
4- تحدث محمود عباس "أبو مازن" نفسه حول ضرورة استعادة غزة "بالقوة" في نفس الوقت الذي كان يؤكد فيه ان القوة لن تحقق الأمن والسلام للإسرائيلين.
وعلى هذا فإن ترتيبات الحرب على غزة والتى يجب ان تكون في إطار معركة حرب ضد الإرهاب والتطرف لن تكون اسرائيل ولا ابو مازن طرفيها بل ينبغي ان تكون بدعم دولي شبية بما حدث ضد صدام في حرب تحرير الكويت.
في هذا الإطار جاء مؤتمر انابوليس لحشد الدعم للإسرائيل وعباس من اجل تحقيق حلم شديد القرب "دولة فلسطينية في 2008" هل هناك اجمل من هذا. ولكن لتحقيق هذا الحلم لابد من تطبيق خارطة الطريق وما هي إلتزامات الفلسطينيين بموجب خارطة الطريق؟ هي تفكيك الخلايا الإرهابية. وهو ما اكد عليه الرئيس جورج بوش للمؤتمر عندما أكد ان ألمرت وعباس سيشتركان بشكل فاعل في محاربة الإرهاب "بهدف عزل الإرهابيين وهزيمتهم".
أما دور الدول العربية التى ذهبت لذلك المؤتمر فهو توفير الدعم للإسرائيليين والفلسطينيين لتحقيق السلام بينهما هذا فضلا عن التطبيع مع اسرائيل وهو الذي سيؤدي للسلام الشامل وليس نتيجة له.
وكل العالم مطالب بتقديم الدعم المالي "لفياض" وهو ما طالب به بوش تحديدا أي ان القصة ليست ديموقراطية وخيار شعوب بل اختيار قوى دولية بحيث لم يجعل السلطة بقيادة عباس هى التى تستحق الدعم ليصبح الشق الثاني من السلطة الموجوده في التشريعي وغزة المستحق لقسم منه بل لفياض اختيار اسرائيل والولايات المتحدة.
ومع الحديث عن يهودية الدولة "دولة يهودية لليهود" حسب وصف بوش نفسه تصبح قضية عودة اللاجئيين في خبر كان. بل ويصبح الترنسفير وتحويل كتل كاملة من الفلسطينيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية لفلسطين
هدف في حد ذاته. وبحسب وصف ألمرت نفسة كيف نقول بدولة فلسطينية وأخرى يمثل فيها الفلسطينيون الأغلبية. هذا بالطبع إذا ما عاد اللاجئون الفلسطينيون من منفاهم في الخارج ناهيك عن حسابات النمو الديموغرافي المستقبلي.

ولكن السؤال يبقى لماذا انابوليس ولماذا انابوليس الأن؟
1- الحقيقة ان المؤتمر يوفر الدعم الدولي الحاشد لقوى "الإعتدال" الفلسطيني "محمود عباس" ولإسرائيل في حرب مفتوحه ضد حماس وقوى المقاومة الأخرى في معركة واسعة ومفتوحة لتصفية الموقف الفلسطيني لصالح فصيل يمكن ان نطلق عليه فصيل "فتح عباس" .
2- أن اسرائيل لديها الأن شريك فلسطيني وربما يكون الأخير يتحقق فيه كل المواصفات المطلوبة. وهو مفاوض ضعيف فاقد للشعبية والكاريزما وغير محدد الأهداف و يريد السلام.. ربما سلامه الشخصي فقط بأي ثمن. ويحيط به مجموعة من اصحاب المصالح المضطربة. وهو وضع استثنائي وتاريخي بكل المقاييس.
3- أن محمود عباس يمثل ايضا وضعية مثالية حيث انه محمل بضغائن للفصيل الأساسي الثاني فى المعادلة الفلسطينية وهو حماس وهو يريد وهو الرجل الذي يريد ان يوصف بأنه رجل كله للسلام بإنها الوضع في غزة "بالقوة".
4- الوضع الفلسطيني بصورة عامة منقسم على نفسه ومن ثم فإن الوصول لسلام مع فصيل منه قد يعزز من هذا الإنقسام إن لم يؤدي لحرب اهلية فلسطينية.
5- الوضع العربي شديد التفكك والضعف وبعيد كل البعد عن الإستجابة الصحيحة للمواقف اللازمة لدعم الفلسطينيين.
6- الإدارة الأمريكية الحالية هي التى يمكن ان تقود تحالفا دوليا ضد الفلسطينيين تحت مسمى الحرب ضد الإرهاب وإجبار الدول العربية والمجتمع الدولي للإستجابه معها وهو ارث قد يتراجع كثيرا اذا ما تغيرت هذه الإدارة.
7- تيقن اسرائيل ان الوقت لم يعد في صالح امنها حيث ان أى تأخير يعني مزيدا من القوة للمقاومة ومزيدا من الضعف لأسباب حصارها.

إذا ما هي اهداف انابوليس؟
1- الهدف الأول من المؤتمر وبلا مواربه هو غزو غزة في إطار تحالف اسرائيلي-فلسطيني يهدف الى إجهاض المقاومة. ولكن يبقى السؤال هل يصل الأمر الى مجرد الإجهاض فقط ام القضاء التام عليه؟. وهو سؤال لابد ان الدوائر الإسرائلية قد اجابت عليه الأن فهل تريد استعادة غزة لصالح فتح بشروط جديده ام تريد فقط اضعاف حماس مع الإبقاء على حالة الإنقسام الحالية.
2- الهدف الثاني هو الإبقاء على حالة سيارة السلام في وضع التشغيل دون الحركة حيث ان مجرد توقف محرك السلام ليس في صالح اسرائيل بالمرة. وهي نفس استراتيجية شارون استاذ ألمرت الأول والذي نص عندما كان زعيما لليكود والذي بمقتضاه اصبح رئيسا للوزراء بإطلاق خطوات دبلوماسية اي حالة حوار بلا طائل يحسن من صورة اسرائيل ويروج لها كقوة سلام لا قوة احتلال خاصة في ضوء تراجع صورة اسرائيل في مجتمعات الصفوة حول العالم بل وذهاب بعضها لمقاطعتها.
3- الهدف الثالث وهو إذا ما وافق ابو مازن على الشروط الإسرائيلية فسيكون حلا لمعضلة المستقبل الغامض لإسرائيل في ظل اليقين عند القيادة الإسرائيلية وعندي ان الوقت ليس في صالح اسرائيل على الإطلاق.
4- الهدف الرابع وهو بداية خطوات تطبيعية مع الدول العربية من باب انابوليس وعلى اعتبار ان الجميع قد ذهب.
هل تحقق اسرائيل كل هذه الأهداف؟ ربما
هل تحقق بعضها؟ جائز
ولكن لا ينبغي ان ننسى ان كل ما يحدث لا يخرج عن اطار مؤامرة عالمية بقيادة الولايات المتحدة لتصفية القضية الفلسطينية لصالح اسرائيل وامنها ولصالح ترتيبات اكبر للمنطقة والتى لا تزال الولايات المتحدة تعتقد بل وتعمل جاهده على انفاذها وهي ترتيبات يشارك في تنفيذها افراد ودول ومنظمات بلا وعي أوبإختيار طوعي بأن يكون جزءا من المؤامرة.